منتدى الشاعر حسن محمد نجيب صهيوني

نرحب بجميع زوار هذا المنتدى ونأمل أن يطيب لكم البقاء ويحدونا الفخر بانضمامكم لأسرتنا
منتدى الشاعر حسن محمد نجيب صهيوني

ملتقى أدبي يهتم بفنون الأدب العربي من شعر قديم ومعاصر ويحوي عدداً من التراجم والسير الأدبية والمقالات والقصص والروايات

بعد التحية على الزوار الراغبين بالإنضمام لهذا المنتدى التسجيل بأسمائهم الحقيقية أو ألقابهم أو أي اسم أدبي يليق بالمنتدى بعيداً عن أي أسماء تخل بسمعة المنتدى وتسيء إليه، وسوف تقوم إدارة المنتدى بالرقابة على الأسماء غير اللائقة أدبياً ثم حجبها ..... إدارة المنتدى

التبادل الاعلاني


    نصوص في قفص الإتهام

    شاطر

    رولا شعشاعة

    عدد المساهمات : 44
    نقاط : 15282
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 22/06/2010

    نصوص في قفص الإتهام

    مُساهمة من طرف رولا شعشاعة في الأربعاء سبتمبر 28, 2011 8:49 am

    - واعمراه
    دخلت متحف أساطير الماضي والحاضر والمستقبل وقرأت لكم أقصوصة نابعة من دقات قلب جزيرة العرب الخالدة. جزيرتنا أحبوا أم كرهوا. جزيرتنا نحن لا جزيرتهم هم. جزيرة حقيقية، كاملة، لا شبه جزيرة.

    تقول الأقصوصة: حارت الأرملة لا تدري ما ستقوله لأبنائها حينما سيعودون من المدرسة ساعة الغداء و ثوانيه. فكرت حتى أحست بزلزال داخل جمجمتها وفي الأخير ارتمت على السكين وذبحت ثديها الأيسر ثم طبخته على نار فؤادها المغروس بالجمر واللهيب. ولما عاد الأبناء فوجئوا، هم الذين لم يشموا رائحة أكل لذيذ منذ زمن طويل باللحم على المائدة و كؤوس حليب حوله.

    أكلوا و للمرة ما قبل الأولى شبعوا ثم رفعوا كؤوس الحليب هاتفين بحياة وصحة أمهم و نهلوا منه حتى سكروا. وقبل أن يغادر صغيرهم المائدة طلب من والدته أن تطبخ لهم في المرة القادمة أكاريع البقرة الحلوب. فابتسمت الشهيدة وربتت على كتفيه ثم تحسست رجليها وتأسفت لمصيرها لأنهما لم تطأ مسكا ولا كافورا.

    2- إكراه بدني


    طفلة في عمر أجمل زهرة بالوادي وجدت نفسها بغتة في قفص كبير مع كلب له أنياب أطول من أنياب الذئاب. قالت إن الأقدار وضعته بجانبها لحراستها وإن حراس مساحات السعادة وضعوه بجانبها للذود عن جمالها و براءتها.

    طفلة بشرتها لها صفاء بشرة لملائكة استيقظت فوجدت نفسها وجها لوجه مع كلب شرس في قفص يتأهب للانقضاض. قالت إنه سينقض على الشبح الذي يظهر لها بالليل و يختفي. قالت إنه سيهجم على تلك العجوز التي تحاول جرح بطنها حينما تكون هي تستعد لاستقبال الطائر المهاجر. قالت إنه سيفترس ذلك الرجل البغيض الذي حاول ذات ليلة بعيدة لمس حلمة ثديها الأيسر.

    طفلة تلبس فستانا جميلا لأنها كانت مدعوة إلى حفل بهيج وجدت نفسها فجأة داخل قفص عريض، وكلب يخرج اللهيب من فمه ينظر إليها واللعاب يسيل من كل أعضاء جسده. قالت إنه لاشك ينتظر منها إشارة لمطاردة و نهش فريسته المفضلة فأعطته الإشارة.

    مناضل قضى شهورا في دهاليز الظلام ولم يعترف. قضى أياما وليال تحت وطأة العذاب ولم ينطق بحرف واحد. قضى أياما وشهورا تحت السياط الجهنمية ولم يذكر اسم أي من رفقاء دربه.

    مناضل معروف بصلابته و عناده ومقاومته لكل أشكال التعسف والظلم قضى شهورا في معتقل سري ولم يجنوا من ورائه إلا الشتم والأناشيد الحماسية. وذات صباح وهو دائما يعذب ويشتم ويردد أناشيد النضال والحرية دخل عليه كلب يحمل بين أنيابه قلبا صغير يخرج منه صوت ضعيف يردد: "لقد هزموك يا أبتاه"

    3-الاغتصاب


    غادرت اليتيمة مدرستها مساء وأخذت تكتب عنوان مأساتها على صفحات شوارع المدينة لا تدري أين ستقضي ليلتها لأن يد زوجة أبيها قست على جلدها وقلبها بشكل لا تتصوره حتى الساحرة الشمطاء. ولما اظلم الليل رجعت إلى باب المدرسة وجلست تفكر في مصيرها ومصير تمارينها حتى تعبت من التعب والبرد فدخلت محفظتها ونامت بين أحضان دفاترها مفترشة دروسها، واضعة رأسها على نقط حروفها.

    و ما إن بدأ المطر يرتطم بالحجر والرعد يزمجر حتى خرج متسكع الحي معانقا قنينة عصيره المفضل الذي اختطفه من فم أبيه النائم دائما بين نهدي أخته. ولما مر بباب المدرسة اجتذبته رائحة شبقية تفوح من المحفظة المرمية فوق الرصيف المرصع بأطلال الأقدام العارية.

    أحس برعشة وسط سويداء قلبه وبأمواج داخل بحر ناره فشرب جرعتين ثم اقتحم المحفظة وهو يطلق الرصاص من فمه فرحا وابتهاجا. حاولت الحروف والأفكار المثالية الدفاع عن حوزة البراءة، لكنه هددها بالقتل إن هي تمادت في منعه من الاسترخاء فوق جسد العروس التي قضى عمره في انتظار صرخاتها ودقات قلبها.

    وبعد أن نهل من القنينة موجتين طويلتين انقض على فتنة الطفلة وأخذ ينهش جسدها ويقطف براءتها زهرة زهرة وهي تصيح طالبة النجدة من أمها التي كانت تبكي وسط زنزانة التراب على مصير وحيدتها. ولما انتهى من قطافه غادر الجسد وذهب مع الرعد والبرق يبحث عن محفظة أخرى تاركا وراءه رمادا ورميما.

    دمعت أعين سدول الليل من هول ما رأت وبكى المطر لعجزه عن حماية الزهرة من حرارة الظلم ثم انطفأت النجوم ندما على إضاءة الطريق أمام الأشباح القاسية وصاح الفجر طالبا ولو مغفرة من السماء. وأخيرا أتى الصباح منبطحا كئيبا وفتح باب المدرسة للتلاميذ الذين لم تغمض لهم عين بسبب صراخ غريب سمعوه أثناء محاولتهم النوم بجانب أحذية آبائهم وأجدادهم. فجأة استرعى انتباه بعضهم محفظة وحيدة يخرج منها سائل أحمر ودموع سوداء وراءها سياط تحسن عمليات الضرب والطرح.

    جاء المدير ووجد بداخل المحفظة طفلة ممزقة الأحلام والمستقبل والجسد بجانبها زجاجة خمر فارغة الجوف. وبسرعة و لكي لا تكثر الأقاويل والإشاعات اجتمع المجلس التأديبي وطرد التلميذة نهائيا بسبب عدم إنجازها لتمارينها ومعاشرة أرواح ليلها الطويل.

    4 - لا و ألف لا


    امرأة ولدت طفلا بدون فم فعلق المسئولون عن الأمن في البلاد وساما على صدر المواطن المثالي الذي كانوا يحلمون به ثم نصحوا الناس بأن يلدوا مثله إن هم أرادوا خدمة وطنهم لإعلاء كلامه وحروفه بين الأمم.

    و حبا منهم لبلادهم اجتمع الرجال بنسائهم في نفس الليلة وعملوا كل ما في وسعهم كي تكون فواكه مجهوداتهم مخلوقات بلا أفواه. مرت الشهور في رمشة عين تبكي صباح مساء ولدت النساء بعدها أطفالا بلا أفواه إلا واحدة ، ولدت فما بدون جسد، الشيء الذي طرح مشكلة أمام المسئولين و حيرهم. لكن بعد مدة اكتشفوا أن الفم أبكم لا يستطيع خلق أي مشكل. ففكروا أنه من الأفضل أن تلد النساء أفواها بدون أجساد شريطة أن تكون خرساء فأطاع المواطنون الأوامر وولدت النساء أفواها لا تنبس ببنت شفة.إلا واحدة، ولدت جسدا بدون رأس، فطار المسئولون مرة أخرى فرحا لكن هذه المرة بأجنحة أكثر سرعة وأمروا بولادة أجساد بلا رؤوس. وكالعادة احترم المواطنون ونفذوا الأوامر فولدت النساء أجسادا بدون رؤوس.إلا واحدة، ولدت حمارا.

    صعق المسئولون و تساءلوا كيف أنهم لم يفطنوا للأمر منذ بداية التاريخ. وكان الأمر بولادة الحمير، الشيء الذي نفذته كل النساء إلا امرأة واحدة تعبت من تلقي الأوامر. امرأة لم يمسسها كلب أبدا. امرأة معروفة بزغاريدها وقت الدفاع عن الشرف. امرأة لم ير جسدها إلا ذلك الجندي المجهول: زوجها.

    ولدت حصانا عربيا أصيلا يمتطي صهوته فارس أكثر أصالة ولسان حال سيفه يردد مع رمال الصحاري العربية: لا لعصر الحمير.

    5- الفراشة


    فراشة تتهادى أمامي بالحديقة العمومية. تطير من مكان إلى آخر ومن زهرة إلى زهرة و إلى شجرة من شجرة. تطير بكل حرية ووقاحة. تطير و ليس في جعبتها و نيتها سوى الطيران.

    فراشة حرة لا تشكو من أي مشكل. تنام هنا، تستيقظ هناك وتمضي قيلولتها في أي مكان توجد به خرائط العسل. فراشة حقيقية لأنها لا تملك لا عشا ولا عرينا ولا كهفا ولا حتى منزلا.

    فراشة ذنبها الوحيد أنها فراشة. ذنبها الوحيد أنها تحلق أمامي. ذنبها الوحيد أنها تستفزني. ذنبها الوحيد أنها جاءت في لحظة كنت أفكر خلالها في سر حرية الفراشات وفي سر وجودي جالسا بالحديقة العمومية وحيدا.

    ذنب الفراشة هو أنها فراشة. ولأني كنت وحيدا لا أقدر على التحليق طرت من مكاني وهجمت عليها. هجمت عليها وغرست فيها أنيابي وأظافري.

    قتلتها لأنها فراشة.

    قتلتها ثم عدت إلى مكاني وبقايا جناحيها مازالت عالقة بأسناني وأظافري.

    6- ساعة لا ريب فيها


    تدق ساعتي بنظام وانتظام. تك- تك- تك – تك .

    تدق دون ضجر أو قلق. تك- تك- تك- تك.

    تدق غير عابئة بالزمن، أهو زمن الماضي أم زمن المضارع أم زمن النسيان؟ تك- تك- تك- تك.

    تدق بكل جدية ورصانة. تك- تك- تك- تك.

    تدق ببرودة دم دون تعصب لأي زمن مهما كان. تك- تك- تك- تك

    تدق و قلبي يخفق مع دقاتها ويتذكر ساعات المواعيد. تك- تك- تك- تك.

    تدق و عيناي تسبحان في عالم زمن ولى واندثر. تدق، و جوارحي لا تفكر إلا في جراحي الموشومة على جبهة زماني. تك- تك- تك- تك

    تدق و أنغامي المفضلة يرددها البلبل الحزين وهو يبكي على زمن تاه بين الأزمنة الظالمة. تك- تك- تك- تك.

    تدق و دموعي تسيل وتمتطي صهوة الزمن الهارب مع هدير النهار. تك- تك- تك- تك.

    تدق ساعتي و على إيقاعها تسير أقدام صوب شبح الأزمنة الضائعة. تدق وعلى إيقاعها تصيح الأصوات المدفونة تحت ثقل الصخر. تدق وعلى إيقاعها تساق أجساد إلى المشانق وتحفر قبور للحن الحمام. تدق وعلى إيقاعها تدفن جثث حية ويعدم الواقفون لصلاة الجنازة. تدق وعلى إيقاعها تشير الأيادي البيضاء مودعة أرواحا اختطفت وهي في أوج السعادة.

    تدق وعلى إيقاعها تهجم الأمواج على الرمال لمحو القصص التي كتبها الأطفال لحبيباتهم. تدق وعلى إيقاعها يبكي أناس لم يستطيعوا النطق بالشهادة وهم على حافة النهاية. تدق وعلى إيقاعها تصرخ السفن طالبة النجدة لأن الزوابع انقضت عليها من قلب البحر والسماء.تدق وعلى إيقاعها تفرغ البنادق ما في جوفها لملء حناجر البلابل والأزهار.

    تدق ساعتي كعادتها تك- تك- تك- تك

    تدق والسكاكين تذبح. تدق والدم يسيل والغرقى لا يجدون من ينقذهم. تدق والعاشقون لا يجدون أشجارا لمواعيدهم والأطفال يبحثون عن لعبهم. تدق دائما بنفس النظام بلا هوادة.

    تدق وهي تشاهد ما يجري على إيقاعها لا حول لها و لا قوة. تدق المسكينة ولا حق لها في التوقف عن العمل. تدق وفرائصها ترتعش خوفا من العقارب التي بداخلها تذكرها في أية لحظة بما سيقع لها، إن هي فكرت، و لو دقيقة، في الخروج عن قانون الزمن. زمن العطش و الحرمان وهتك أعراض السحب.زمن تلطيخ سمعة الموجة البيضاء. زمن الساعة التي لا ريب فيها.

    7- الحل المناسب


    " يجب وضع الرجل المناسب في المكان المناسب"، هذا هو شعار المرحلة الجديدة إذا نحن أردنا الخروج من التخلف والدخول إلى عالم التقدم والازدهار. فعلى رؤساء المصالح احترام نص وروح البلاغ وتطبيقه حرفيا دون اجتهاد أو لف أو دوران.

    وفور انتهاء رؤساء المصالح من قراءة البلاغ التي دامت سنة كاملة لأنه كان مكتوبا بأسلوب وفلسفة يصعب فهمهما واستيعابهما بسرعة، غادروا مكاتبهم مستعجلين من أمرهم لدرجة أن بعضهم نسي سرواله في المرحاض والبعض الآخر لم يقبل كاتبته لتهنئتها على احترام الوقت والتوقيت لأول مرة في حياتها.

    و ما ان غربت الشمس بصفة نهائية حتى كان كل واحد في مكانه. وهكذا وضع رجال قي القبر والزنازين وأقسام المستعجلات وآخرون أمام أبواب مجلس الشبيبة والمستقبل القريب. أما ما تبقى منهم فوضعوا بداخل المراحيض العمومية أو تحت فراش الفأر الأبرص.

    و بعد أن هنأوا أنفسهم على قيامهم بالواجب في ظروف مثالية، عاد المسئولون إلى مكاتبهم لقراءة ومحاولة استيعاب البلاغ الثاني حول وضع المرأة المناسبة في مكانها المناسب الذي سيتطلب منهم جهدا اكبر لأن وضع المرأة شائك ومعقد بشكل عبثي لا يقبله حتى اللامنطق.

    و بالفعل مر قرن قبل أن يفهم رؤساء المصالح فحوى وعمق البلاغ . لكن ما إن هضموا فلسفته حتى خرجوا متحمسين لوضع المرأة المناسبة في المكان المناسب. وهكذا وضعت نساء في شقق مفروشة وأخريات في فنادق تحمل ألف نجمة على صدورها. أما المجموعة الثالثة فقد وضعت في طائرات خاصة تتجه دائما إلى بعض البلدان الشقيقة جدا وأكثر من جدا، بل يمكن القول، إنها شقيقة جدا جدا وجدا جدا جدا.

    وبخصوص النساء اللواتي لا يصلحن لشيء فقد وضعن رهن إشارة أبناء المسؤولين عن لا شيء للعب معهن و بهن حينما تكون كلابهم وقططهم في استراحة بعد ليلة من الرقص الغناء بمناسبة زفاف الكلب المسعور إلى الكلبة البلهاء.

    وبهذه الطريقة العقلانية حلت مشاكل البلاد لدرجة أصبح معها قادة المعارضة يخجلون من أنفسهم ويتفادون المطالبة بحقوق الإنسان لئلا يصبحوا عرضة للاستهزاء.

    لكن بعد مدة قصيرة، اكتشف أحد الوزراء خللا لم تنتبه إليه المعارضة المشهورة بحساباتها الضيقة وباقتناص الفرص للتشهير بالحكومة.

    هذا الخلل هو وضعية الطفل الذي يجب كذلك وضعه في المكان المناسب. وبسرعة فائقة كان البلاغ الثالث الذي فهمه رؤساء المصالح في رمشة قراءة لأنه يهم الأجيال الصاعدة الراكبة رؤوسها ورؤوس قوى المعارضة.

    و فورا وضع بعض الأطفال داخل معامل تعمل ليل نهار كما وضع آخرون على جنبات الطريق الرئيسية للتصفيق فقط وبلا كلل بالطبع. أما الأطفال الذي بلغوا سن المراهقة في زمن قياسي فمنهم من وضع في المستشفيات للتبرع بدمهم ومنهم من وضع في قوارب الموت التي تقطع البحار وقت هيجان الأمواج وغضب المخلوقات المدللة.

    و لما انتهى التنفيذ والذي كان معجلا نظرا لخطورة وحساسية الوضع أراد رؤساء المصالح الاستراحة قليلا، لكن الوزير المكلف ببعض الحقوق والحقائق الرسمية اقترح الاهتمام كذلك بالحيوانات ووضعها في المكان المناسب كي تكف المنظمات الحقوقية العالمية عن النباح والنهيق والنحيب والنقيق والتدقيق في باطن أمور الحيوانات و بطونها.

    و هكذا وضعت الكلاب البوليسية الأصيلة أمام "الفيلات" والحمير و الكلاب والقطط المصابة بداء الإسهال الحاد أمام منازل الأحياء التائهة. كما وضعت الخنازير بين شفاه السنابل المسترجعة من يد المستعمر الغاشم والغربان أمام صندوق التقاعد المطلق والضفادع في أطباق المعطلين الذين قرروا حل إضرابهم عن الطعام والضباع والنسور فوق قبور كل من مات دون تأدية ثمن فاتورة الماء والكهرباء.أما الذباب الأزرق فوضع داخل عيني طفل صغير غادر بطن أمه من غير أن يطلب الإذن من رؤساء مصالح العائلات المنكوبة. ووضعت أخيرا الأسود والنمور والطيور الجميلة في أقفاص من ذهب داخل بيوت من مرجان تعيش فيها مخلوقات لها أجساد مكتنزة باللؤلؤ والزمرد.

    و منذ ذلك اليوم و البلاد ترفل في سعادة لا حدود لها لأن كل المشاكل حلت بفضل اجتهاد ونباهة أعضاء الحكومة الذين بدأوا يستهزئون بالمعارضة ويقسمون بصوت خافت أثناء قيلولة زوجاتهم أنها ستحاول رغم هزيمتها رفع شعارات جديدة لإزعاج الحكومة وتعجيزها كي تستعيد مجدها ومصداقيتها أمام الجماهير التي حارت كيف تعبر عن شكرها للحكومة التي وضعتها في المكان المناسب !

    8- الجريمة والعقاب


    رجل ارتكب جنحة سيق على إثرها إلى المحكمة التي حكمت عليه بخمس سنوات سجنا، فأخذت زوجته تبكي وسط القاعة وتصيح بأعلى حزنها طالبة من القاضي أن يخفف من العقوبة لأن زوجها هو معيل العائلة الوحيد.

    رق قلب القاضي لحالها وتذكر عدل عمر فأذن للزوج بقطع يديه وإعطائهما للزوجة كي تتمكن من العمل و كسب قوت الأطفال.

    و أمام كل الحاضرين من شهود ومدعين قطع الرجل يديه وأهداهما لزوجته تحت أنظار القاضي الذي هنأه على حبه لأولاده والتفكير في مستقبلهم.

    و في المساء والسجين يحك رأسه برجليه لطرد غزاة الليل والزوجة في فراشها بين يديه، كان القاضي يحكي لزوجته ما حصل في المحكمة وهو كله إعجاب بهذا الإيثار الذي يذكره بأيام العرب الغابرة.

    9-النزيف


    أصيبت امرأة بنزيف خطير لم يستطع الأطباء وقفه رغم كل محاولاتهم الجادة. بقي الدم يسيل حتى غصت المستشفى باللون الأحمر والأكثر حمرة.و لما رأى رئيس هيئة الأطباء أن الدم يضيع سدى أمر الأطباء والممرضين ببناء سد يحفظ الدم الذي يحتاجه بعض المرضى المصابين بفقر الدم واليد والعقل.

    وهكذا بني سد منيع وسط فخذي المرأة التي علق على صدرها وسام رفيع المستوى تقديرا لها على تضحيتها و حيضها.

    10- لا حول و لا ..


    ماذا ستقول أيها الشاعر إذا نحن كسرنا عظام العندليب؟ لن أقول شيئا. فقط سأذرف دمعة صغيرة ثم سأجري بسرعة لرؤية الشمس قبل أن تغيب في الأفق.

    وماذا ستقول حينما سنرغم الفراشة على النوم على المسامير؟ سأكتفي بقراءة اللطيف ثم سأجلس على ضفة النهر للاستماع إلى ما يدور في خلده.

    وإذا نحن منعنا الحمامة من النوم بجانب حبيبها ووضعنا الملح في عينيها؟ إذا قمتم بكل هذا، فماذا عساي أن افعل؟ سأدعو لها بالصبر وسأقول لها إني مستعد لمساعدتها على الذهاب إلى القبر.

    و الآن أجبنا بصراحتك المعهودة أيها الشاعر. إذا نحن انتزعنا من النحلة قلبها ووضعنا مكانه قلب ذبابة أو قلب ذئب أو قلب صقر معروف بقتل الرضع، فماذا أنت فاعل؟

    سأبكي بلا هوادة لأني سأقتنع حينها بأن زمن الشعر قد ولى إلى الأبد.

    11- الثمن


    أصبح برلمانيا ورجل أعمال ناجح في مدة قياسية، لديه ملايين الدراهم وعمارات و علاقات.. وأنهى طموحاته بأحسن سرطان في تاريخ المرض.

    أصبح وزيرا لديه سيارات وفيلا شاسعة وكاتبة جميلة.. و قرحة معدة لا مثيل لها.

    أصبح إنسانا مهما له علاقة فقط مع الناس المهمين وعلى صدره كل أوسمة البلد.. ويغير دمه مرتين في اليوم بفضل متطلبات كليتيه المحترمتين.

    أصبح يجول حول العالم مرة في الشهر ويلقي خطابات طويلة في المؤتمرات الدولية. وحينما يعود إلى الفندق في الليل مع كاتبته، يقضي وقته في الاستماع إلى ابنته التي أصبحت تتعاطى مخدرا تحسدها عليه كل بنات المجتمع الراقي.

    نجح وتفوق على كل أصدقائه وزملائه وتسلق سلم الترقية الطبقية بسرعة جنونية فأصبح يقام له ويقعد في المجالس الإدارية والبنوك ودهاليز الدولة. ولكي يظهر للجميع أن نجاحه لا ريب فيه أصيب بالسكري وبنزيف حاد في الدماغ جعله يعيش في كرسي ذهبي متنقل ينقله إلى حيث تشاء زوجته التي لم تعد تطيق رؤية كاتبته.

    انشق عن حزبه وكون حزبا جديدا أصبح رئيسه والآمر الناهي فيه. وبعد وقت وجيز أصبح من محاوري الدولة ثم من رموزها، يظهر على الشاشة صباح مساء. ولأنه عنصر لا يشق له غبار، فاز بأزمة قلبية و بشلل نصفي و بعشيق لزوجته.

    بعد أن تعلم فنون الكلام والمراوغة والنفاق أمام المرآة. بعد أن تعلم من قرده وكلبه وقطته بعض الحركات. بعد أن تعلم من متسولي الحي وسماسرته بعض الممارسات. بعد أن تعلم من الذئب والضبع وسمك القرش دروس النهش والشراسة..

    بعد أن تعلم من شهود الزور وعمالقة التسويف والتلوين والتمويه أسرار مهنهم، أصبح أخيرا زعيما مهما في البلاد يحمد الله على أنه سلط عليه بعض الأمراض كالسكري والسرطان و الربو و.و..و... لإلهاء أعين الحساد.

    نصوص من كتاب " أنياب في جسد الأحلام



    للأديبة بوعزة التايك

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 17, 2018 12:22 am